السيد كمال الحيدري
12
معرفة الله
إنّ من الثابت في محلّه اختلاف وجهات النظر في تحديد الهدف الأساسيّ من وجود الإنسان . فبعضٌ يرى أنّه منحصر بالعبادة ؛ وفقاً لقول الله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » ، وبعضٌ آخر يرى أنّه قد وُجد بغية تحصيل الكمالات ، وبعض آخر يرى أنّ الهدف معرفيٌّ خالص ؛ وفقاً لمؤدّى الحديث القُدسيّ « كنت كنزاً مَخفيّاً ، فأحببتُ أن أُعرف ؛ فخلقت الخلق لأُعرف » « 2 » . الظاهر لنا في المقام : أنّ هذه التوجيهات هي تعابير مختلفة لمقصود ذي مراتب مختلفة ، وهو التحقّق المعرفيّ بمعناه الوجوديّ التكوينيّ لا الصوريّ ، وهذا ما يُحاول الكتاب إثباته بصورة مباشرة أو غير مباشرة في جُلّ مطالبه . فالهدف معرفيّ تحقّقيّ خالص يُمثّل حاجة إنسانية فطرية لا كسبية . بعبارة أُخرى : إنّ السير المعرفيّ ليس أمراً عارضاً على وجود الإنسان وإنّما هو ضرورة منبثقة من أصل وجوده . وهذه الحاجة تحديداً المعرفة التحقّقية هي الحدّ الفاصل بين التوحيد والشرك والإلحاد ، فمن تحقّق بها كان موحِّداً ، ومن أخطأ في تحديد مصداقها كان مُشركاً ، ومن أنكرها رأساً كان مُلحداً . وفي كلّ مرتبة من هذه المراتب الثلاث التوحيد والشرك والإلحاد مراتب لا حصر لها . وما نفهمه هو أنّ الإنسان ما دام طالباً لتلك المعرفة التحقّقية فهو خارج عن دائرة الإلحاد ، وكلّ إنسان سائر معرفيّاً ولم يقف أو يعيّن ما
--> ( 1 ) الذاريات : 56 . ( 2 ) شرح أصول الكافي للمولى محمد صالح المازندراني : ج 1 ص 22 .